أبي طالب المكي
80
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
بظلمك . وقد ثقلت هذه المشاهدة على الجاهل ، فإذا عمل حسنا شهد نفسه ونظر إلى حوله وقوّته ، فهلك بالكبر وبطل عمله بالعجب ، وإذا عمل سيّئا لم يعترف بالذنب ولم يقرّ على نفسه بالظلم ، ولم تصح له توبة ولم يرض له عملا ، نعوذ بالله من مشاهدة الضلال . وقال أبو محمد سهل رحمه الله تعالى : إذا عمل العبد حسنة فقال : يا رب أنت استعملتني ، شكر الله له ذلك فقال : أنت عملت . فإذا نظر إلى نفسه فقال أنا عملت ، يقول الله بل أنا استعملت ، قال وإذا عمل سيّئة فقال : أنت قدّرت وأنت أردت . يقول الله تعالى : أنت ظلمت وأنت عصيت بشهوتك وهواك ، فإن قال العبد : ظلمت نفسي وعصيت بجهلي استحيا الله منه فقال : بل أنا قدرت وأنا قضيت ، قد غفر لك باعترافك بالظلم على نفسك . فهذه آداب العاملين ومشاهدة العالمين ، وهذا داخل في قوله : أعرفكم بربه أعرفكم بنفسه ، فكذلك يحب ابن آدم ممن عامله الاعتراف والتواضع ، وهذا أيضا أحد المعاني في قوله تعالى : * ( وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وآخَرَ سَيِّئاً ) * [ التوبة : 102 ] . قيل : هو الاعتراف عقيب العمل السيّئ لأنه قد تقدم ذكره فكان الصالح بعده اعترافه . وفي الحديث الذي رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم آنفا أنّه قال : من نظر إلى من فوقه في الدين وإلى من دونه في الدنيا ، كتبه الله صابرا شاكرا ، ومن نظر إلى من دونه في الدين ومن فوقه في الدنيا ، لم يكتبه صابرا ولا شاكرا ، فيه أربعة معان حسان إذا تدبرها العبد وتفكَّر فيها لم يعدم أن يرى أهلها ، لأنه لا يخلو أن يرى بعينه أو بقلبه لسيرة المتقدمين ، فيرى من فوقه في باب الدنيا فيشكر الله على حاله ويقنع منه برزقه فيكون صابرا شاكرا بمعرفة ما قنع به ، ورضي باختيار ما صرف عنه من الفضول ، وروي عنه من الحساب الطويل ، ولا يخلو أن يرى من فوقه في أمر الدين يسارع إليه ويسابقه إذ قد ندب إلى ذلك ، فيكون حضّا له وحثا على افتعال الخيرات وأعمال الصالحات ، وأقل ما يفيده ذلك الإزراء على نفسه والمقيت لها في تقصيره . ثم ينظر في الأمرين الآخرين من وجه آخر ، فلا يخلو أن يرى من هو دونه في الدنيا من ذوي الفاقات والحاجات ، فيحمد الله على تفضيله عليه وحس صونه له ويشكر نعمته لفضل إحسانه وكفايته له . ويجد أيضا في المعنى الآخر من هو دونه في أمر الدين من الفجرة والظالمين وأهل البدع والزائغين ، فيفرح بفضل الله ورحمته ويشكر الله على حسن إسلامه وجميل معافاته مما ابتلي به غيره ، فيكون أيضا صابرا شاكرا . فيكون للعبد في هذه الطبقات من الناس أربع معاملات بما وهب الله من البصيرة والاعتبار ، ويشهد لما ذكرناه قوله : لا حسد إلَّا في اثنين ، رجل آتاه الله حكمة